الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
356
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
يعني أين أنت من ذلك المقام حال كونك في مقام القلب واقفا مع وجودك ؟ فقال : أولست صاحب سرّك ، أي ألم أكن مستعدا لذلك المقام مع اطلاعي على سرّك ، والسرّ هو المعنى الذي لا يمكن ظهوره على المشاعر النفسانية حتى القوة الفكرية ، ولا تطلَّع عليه إلا من ترقى عن مقام النفس . وقد يقال على القلب الواصل إلى مقام الروح عند ترقّي الروح إلى مقام التوحيد ، لشدة لطافته ونوريته وغاية تجرده وبعده عن مقام النفس والقوى حينئذ ، ولا تطلع على ذلك المعنى إلا من تلك الجهة ، ولا ينتقش السرّ إلا في وجهه المنور ، الذي يلي الروح لا في وجهه الذي يلي النفس ، ولهذا يطلق مجازا ، والمراد هنا هو المعنى الأول ، فأخبر عليه السّلام عن استعداده لذلك بترقيه عن مقام النفس بدليل اطلاعيّته على سرّه ، وقوله عليه السّلام في جوابه : بلى ولكن يرشح عليك ما يطفح منّي تصديق له عليه السّلام بأنه مستعد لذلك المقام لكنّه غير واصل إليه ، لأن رشح النور من صاحب الكمال لا يكون إلا على المستعد القابل . وهذا الكلام يدلّ على أنه عليه السّلام في مقام التكميل والاستقامة والتمكن ، وإن كميلا في مقام القلب قابلا مترقيا لم يصل بعد إلى مقام الفناء ، إذ لو لم يكن عليه السّلام في مقام الاستقامة والتمكين في الولاية ، وهو مقام البقاء بعد الفناء في عين الجمع ، بل كان مستغرقا في الذات الأحدية ، لم يكن له وجود حتى يطفح منه شيء ، وكذا لو كان كميل في مقام الولاية مستغرقا في عين الجمع لم يرشح عليه شيء ، وكان عليه السّلام في مقام فناء الفناء موجودا بالوجود الموهوب الحقاني ممتليا بالنور الأحدي كما وصفه النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : بأنه ممسوس في ذات اللَّه . يطفح منه ذلك النور عند قيامه بحقّ العبودية ، ويرشح على المستعد السالك ( فانظر ) كما بيّن سرّه الذي هو النور الأحدي الذاتي ، وهو نور الوجه الباقي ، وبيّن سرّ كميل الذي هو نور التجليات الصفات في مقام القلب أو السر ( 1 ) وهو نور
--> ( 1 ) عطف على قوله : والمراد هو المعنى الأول . .